ابن عجيبة

538

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) قلت : إنما قال هذا وفي قصة شعيب : ( ولما ) ، بالواو ، وفي قصة صالح ولوط : ( فلما ) ، بالفاء ؛ لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد ، في بالفاء التي تقتضى التسبب ، كما تقول : وعدته فلما جاء الوعيد كان . . إلخ ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما ، فعطف بالواو . قاله الزمخشري . يقول الحق جل جلاله : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا : عذابنا ، أو أمرنا بالعذاب ، نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وكانوا أربعة آلاف ، وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ، وهو ريح السموم ، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم . والتكرير ؛ لبيان ما نجاهم منه ، وإعلاما بأنه عذاب غليظ ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم . ويحتمل أن يريد بالنجاة الأولى : من عذاب الدنيا ، وهو الريح الذي نزل بقومهم ، وبالنجاة الثانية : عذاب الآخرة ، وهو العذاب الغليظ ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح . وَتِلْكَ عادٌ ؛ الإشارة إلى القبيلة ، أو إلى قبورهم وآثارهم ؛ تهويلا وتهديدا ، جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ؛ كفروا بها ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ ، والجمع إما لأنّ من عصى رسولا فكأنما عصى الكل ؛ لأنهم متفقون في الدعوة ، مع أنهم أمروا بطاعة كل رسول . وإمّا على إرادة الجنس ، كقولك : فلان يركب الخيل ، وإن لم يركب إلا فرسا واحدا . وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يعنى : كبراءهم الطاغين ، والعنيد : الطاغي ، والمعنى : عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم ، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم ، وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي : جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين ؛ في الدنيا أهلكتهم ، وفي الآخرة أحرقتهم . أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ؛ جحدوه ، أو كفروا نعمه . وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم ، بالإتيان بحرف التنبيه ، وتكرار اسم عاد ؛ أَلا بُعْداً لِعادٍ أي : هلاكا لهم ، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا ؛ للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له ، مستوجبين لما نزل بهم ؛ بسبب ما حكى عنهم . وإنما كرر « ألا » ، وأعاد ذكرهم ؛ تفظيعا لأمرهم ، وحثّا على الاعتبار بحالهم . ثم بيّنهم بقوله : قَوْمِ هُودٍ . فهو عطف بيان لعاد ، وفائدته : تمييزهم عن عاد الثانية ، التي هي عاد إرم ، والإيماء إلى [ استحقاقهم للبعد ] « 1 » بما جرى بينهم وبينه . قاله البيضاوي .

--> ( 1 ) في الأصول : [ استحقارهم له ] . والمثبت هو الذي في تفسير البيضاوي .